الحلبي
478
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وبال على رأس ذلك الصنم ، فلما رأى ذلك كسر ذلك الصنم وأنشد : أربّ يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب وأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له كيف اسمك ؟ فقال : غاوي بن ظالم . فقال صلى اللّه عليه وسلم له : بل أنت راشد بن عبد ربه . ومن هذا السياق يعلم أن الثعلبان بفتح الثاء المثلثة مثنى ثعلب لا بضمها ذكر الثعالب كما قيل . ومن تغيير الاسم القبيح بالحسن ما وقع له صلى اللّه عليه وسلم في غزوة ذي قرد أنه مر على ماء فسأل عنه ، فقيل له : هذا اسمه بئسان وهو مالح . فقال : لا ، بل اسمه نعمان وهو طيب ، فانقلب عذبا . واشتراه طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه ثم تصدق به ، فلما جاء إليه صلى اللّه عليه وسلم وأخبره بذلك قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أنت يا طلحة إلا فياض فسمي طلحة الفياض . وكان صلى اللّه عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر . قالت عائشة رضي اللّه عنها : ما رأيت رجلا أكثر مشاورة للرجال من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا حلف قال : لا ومقلب القلوب ، وربما قال في يمينه وأستغفر اللّه ، وإذا اجتهد في اليمين قال : لا ، والذي نفس أبي القاسم بيده ، وربما قال : والذي نفس محمد بيده ، وربما قال في يمينه : لا ، وأستغفر اللّه والذي نفسي بيده . وكان صلى اللّه عليه وسلم أكثر الناس إغضاء عن العورات . وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه ، ولم يشافه أحدا بمكروه حتى إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول أو يفعل كذا . بل يقول : ما بال أقوام يقولون أو يفعلون كذا . لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، أوسع الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشيرة . ما دعاه أحد من أصحابه أو أهل بيته إلا قال لبيك ، يخالط أصحابه ، ويحادثهم ، ويداعب ، أي يمازح صبيانهم ، ويجلسهم في حجره الشريف . أي فقد كان صلى اللّه عليه وسلم يصفّ أولاد عمه العباس عبد اللّه وعبيد اللّه وغيرهما رضي اللّه عنهم ويقول : من سبق إليّ فله كذا ، فيستبقون إليه فيقاعدون على صدره الشريف فيقبلهم ويلتزمهم . ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقصى المدينة ، ويشهد الجنائز ، ويقبل عذر المعتذر . ما وضع أحد فمه في أذنه إلا استمر صاغيا له حتى يفرغ من حديثه ويذهب ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده صلى اللّه عليه وسلم منه حتى يكون الآخذ هو الذي يرسلها . وكان صلى اللّه عليه وسلم يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، ولم ير قط مادا